عبد الوهاب الشعراني
256
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
يعني مما ستقع فيه أمتي بعدي ، هكذا كان سيدي علي الخواص يقول لنا في معنى استغفار المعصومين ، وقال جميع ما ذكر عن الأنبياء مما يخالف هذا إنما أخذه الناس من كتب اليهود الذين كذبهم اللّه تعالى في وجوههم ولم يأتنا ذلك في كتاب ولا سنة وإنما جاء الأمر مجملا ، والأنبياء من مقامهم العكوف في حضرة الإحسان التي منها حفظ من حفظ من الأولياء الذين دخلوا حضرة الإحسان . فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح ليدلك على دخول الحضرة التي تحفظ منها جوارحك عن الوقوع في شيء من المعاصي ، ولا يصير لها قط شهوة إلى معصية ، وإلا فمن لازمك الوقوع حتى لا يكاد يسلم لك عضو واحد من أعضائك من المعصية ، واللّه يتولى هداك . وسمعت سيدي عليا الخواص يقول : مراتب شهود الأكابر أن لا يروا شيئا إلا ويرون اللّه تعالى قبله ، فيكون الحق تعالى حاجبا لهم عن الأكوان ، ومثل هؤلاء لا يؤمرون بغض البصر كالغير ، وإنما يعصمون أبصارهم حياء من اللّه تعالى وإجلالا له ، قال : ومشهد من دونهم أن لا يروا شيئا إلا ويرون الحق تعالى معه ، فيشهدون الحق مع الخلق مع الفرق بين العبد والرب ، ومشهد أصحاب الفكر من العلماء أن لا يشهدوا شيئا إلا يرون اللّه بعده لأن الأكوان أمارات على القدرة الإلهية والصنعة تدل على الصانع بيقين ا ه . وسمعت أخي أفضل الدين يقول : من شهد الخلق مع الحق معا فهو الكامل الذي لا أكمل منه ، خلاف قول الجنيد وغيره : من شهد الخلق لم ير الحق ومن شهد الحق لم ير الخلق ا ه . قلت : وقول أخي أفضل الدين هو الحق لا سيما والرسول مكلف برعاية أمته ليلا ونهارا من حيث الأمر والنهي ومعظم رسالته إنما هو لأجلهم ، إذا كان شهود الحق تعالى حاجبا له عن الكون ، فلمن يأمر وينهي ولمن يخاطب بالتكاليف وفيمن يجاهد بالسيف فتأمل . فقد علمت يا أخي أن كراهة عدم غض البصر إنما هو في حق من يورثه ذلك محظورا لا في حق أهل اللّه تعالى المتقدم ذكرهم ، واللّه تعالى أعلم . وروى الطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا عن اللّه عز وجل قال : « النّظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، من تركها من مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه » . وروى الإمام أحمد مرفوعا : « ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ، ثمّ يغضّ بصره إلّا أحدث اللّه له عبادة يجد حلاوتها في قلبه » . ولفظ الطبراني : « ما من مسلم ينظر إلى امرأة أوّل رمقة » .